الشوكاني
373
فتح القدير
السماء مسرعين لأمر الله ، كما يقال للفرس الجواد سابح إذا أسرع في جريه . وقال مجاهد أيضا : السابحات الموت يسبح في نفوس بني آدم . وقيل هي الخيل السابحة في الغزو ، ومنه قول عنترة : والخيل تعلم حين تسبح * في حياض الموت سبحا وقال قتادة والحسن : هي النجوم تسبح في أفلاكها كما في قوله - وكل في فلك يسبحون - وقال عطاء ، هي السفن تسبح في الماء ، وقيل هي أرواح المؤمنين تسبح شوقا إلى الله ( فالسابقات سبقا ) هم الملائكة على قول الجمهور كما سلف . قال مسروق ومجاهد : تسبق الملائكة الشياطين بالوحي إلى الأنبياء ، وقال أبو روق هي الملائكة سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح ، وروى نحوه عن مجاهد . وقال مقاتل : هي الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة . وقال الربيع : هي أنفس المؤمنين تسبق إلى الملائكة شوقا إلى الله . وقال مجاهد أيضا : هو الموت يسبق الإنسان . وقال قتادة والحسن ومعمر : هي النجوم يسبق بعضها في السير بعضا . وقال عطاء : هي الخيل التي تسبق إلى الجهاد . وقيل هي الأرواح التي تسبق الأجساد إلى الجنة أو النار . قال الجرجاني : عطف السابقات بالفاء ، لأنها مسببة من التي قبلها : أي واللاتي يسبحن فيسبقن ، تقول قام فذهب ، فهذا يوجب أن يكون القيام سببا للذهاب ، ولو قلت قام وذهب بالواو لم يكن القيام سببا للذهاب . قال الواحدي : وهذا غير مطرد في قوله ( فالمدبرات أمرا ) لأنه يبعد أن يجعل السبق سببا للتدبير . قال الرازي : ويمكن الجواب عما قاله الواحدي : بأنها لما أمرت سبحت فسبقت فدبرت ما أمرت بتدبيره ، فتكون هذه أفعالا يتصل بعضها ببعض كقوله : قام زيد فذهب ، ولما سبقوا في الطاعات وسارعوا إليها ظهرت أمانتهم ففوض إليهم التدبير . ويجاب عنه بأن السبق لا يكون سببا للتدبير كسببية السبح للسبق والقيام للذهاب ، ومجرد الاتصال لا يوجب السببية والمسببية ، والأولى أن يقال العطف بالفاء في المدبرات طوبق به ما قبله من عطف السابقات بالفاء ، ولا يحتاج إلى نكته كما احتاج إليها ما قبله لأن النكتة إنما تطلب لمخالفة اللاحق للسابق لا لمطابقته وموافقته ( فالمدبرات أمرا ) قال القشيري : أجمعوا على أن المراد هنا الملائكة . وقال الماوردي : فيه قولان : أحدهما الملائكة وهو قول الجمهور . والثاني أنها الكواكب السبع ، حكاه خالد بن معدان عن معاذ بن جبل . وفي تدبيرها الأمر وجهان : أحدهما تدبر طلوعها وأفولها . الثاني تدبر ما قضاه الله فيها من الأحوال . ومعنى تدبير الملائكة للأمر نزولها بالحلال والحرام وتفصيلهما والفاعل للتدبير في الحقيقة وإن كان هو الله عز وجل ، لكن لما نزلت الملائكة به وصفت به . وقيل إن الملائكة لما أمرت بتدبير أهل الأرض في الرياح والأمطار وغير ذلك قيل لها مدبرات . قال عبد الرحمن بن ساباط : تدبير أمر الدنيا إلا أربعة من الملائكة : جبريل وميكائيل وعزرائيل وإسرافيل ، فأما جبريل فموكل بالرياح والجنود ، وأما ميكائيل فموكل بالقطر والنبات ، وأما عزرائيل فموكل بقبض الأنفس ، وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم وجواب القسم بهذه الأمور التي أقسم الله بها محذوف : أي والنازعات ، وكذا وكذا لتبعثن . قال الفراء : وحذف لمعرفة السامعين به ، ويدل عليه قوله ( إذا كنا عظاما نخرة ) وقيل إن جواب القسم قوله ( إن في ذلك لعبرة لمن يخشى ) أي إن في يوم القيامة وذكر موسى وفرعون لعبرة لمن يخشى . قال ابن الأنباري : وهذا قبيح ، لأن الكلام قد طال بينهما ، وقيل جواب القسم ( هل أتاك حديث موسى ) لأن المعنى : قد أتاك ، وهذا ضعيف جدا ، وقيل الجواب ( يوم ترجف الراجفة ) على تقدير ليوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة . وقال السجستاني : يجوز أن يكون هذا من التقديم والتأخير ، كأنه قال : فإذا هم بالساهرة والنازعات . قال ابن الأنباري : وهذا خطأ لأن الفاء لا يفتتح بها الكلام ، والأول أولى ( يوم ترجف الراجفة ) انتصاب هذا الظرف بالجواب المقدر للقسم ، أو